تقي الدين الغزي
71
الطبقات السنية في تراجم الحنفية
لا يخرج إلى مجلس الحكم ، ولا إلى مجلس التّدريس في كلّ يوم ، إلّا بعد أن ينسخ عشر ورقات ، يأخذ أجرتها عشرة دراهم ، تكون قدر مؤنته ، ثم يخرج إلى مجلسه . وقال ابن أبي الفوارس « 1 » : وكان أبو سعيد نزها ، عفيفا ، جميل الأمر ، حسن الأخلاق . وقال محمد بن العبّاس بن الفرات « 2 » : كان أبو سعيد السّيرافىّ ، عالما ، فاضلا ، منقطع النّظير في علم النحو خاصّة ، وكانت سنّه يوم توفّى ثمانين سنة . وعن هلال بن المحسّن « 3 » ، أنّه توفّى يوم الاثنين ، الثاني من رجب ، سنة ثمان وستين وثلاثمائة ، عن أربع وثمانين سنة . قال أبو حيّان التّوحيدىّ ، في « تقريظ الجاحظ » له : أبو سعيد السّيرافىّ شيخ الشّيوخ ، وإمام الأئمّة ، معرفة « 4 » بالنحو ، والفقه ، واللّغة ، والشّعر ، والعروض ، والقوافي ، والقرآن ، والفرائض ، والحديث ، والكلام ، والحساب ، والهندسة ، أفتى في جامع الرّصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ ، ولا عثر له على زلّة ، وقضى ببغداد ، هذا مع الثّقة والدّيانة والأمانة والرّزانة ، صام أربعين سنة أو أكثر ، الدّهر كلّه . وقال في « محاضرات العلماء « 5 » » : شيخ الدّهر « 6 » ، وقريع العصر ، العديم المثل ، المفقود الشّكل ، ما رأيت أحفظ منه لجوامع الزهد نظما ونثرا ، وكان ديّنا ، ورعا ، تقيّا ، نقيّا ، زاهدا ، عابدا ، خاشعا ، له دأب في القراءة والخشوع ، وورد بالليل من القيام والخضوع ، ما قرئ عليه شئ قطّ فيه ذكر الموت والبعث ونحوه ، إلّا بكى وجزع ، ونغّص عليه يومه وليلته ، وامتنع عن الأكل والشّرب ، وما رأيت أحدا من المشايخ كان أذكر لحال الشّباب ، وأكثر تأسّفا على ذهابه منه ، وكان إذا رأى أحدا من أقرانه عاجله الشّيب تسلّى به . وقال في « الامتناع والمؤانسة « 7 » » : هو أجمع لشمل العلم ، وأنظم لمذاهب العرب ، وأدخل في كلّ باب ، وأخرج من كلّ طريق ، وألزم للجادّة الوسطى في الخلق والدّين ،
--> ( 1 ) هو محمد بن أبي الفوارس ، كما في تاريخ بغداد 7 / 342 . ( 2 ) تاريخ بغداد 7 / 342 . ( 3 ) تاريخ بغداد 7 / 342 . ( 4 ) في س : « له معرفة » ، وفي ط ، ن : « معرفته » ، والتصويب من معجم الأدباء 8 / 150 . ( 5 ) انظر معجم الأدباء 8 / 152 . ( 6 ) في معجم الأدباء نقلا عن أبي حيان : « وحضرت مجلس شيخ الدهر » . ( 7 ) الجزء الأول صفحة 129 ، 130 .